قوةُ الوهمِ في رحابِ الشفاءِ: قراءةٌ في سرِّ الدواءِ الوهميِّ

إعداد: هارفارد هيلث

أترى للعقلِ سطوةً تُحيي الجسدَ المُنهَك؟ أترى للروحِ سلطاناً يُذيبُ الآلامَ كأنها سرابٌ؟ ها هنا يطلُّ علينا سرٌّ مِن أسرارِ النفسِ البشريَّة، سرٌّ يُدعى “تأثيرَ الدواءِ الوهميِّ”، ذلك الضيفُ القديمُ الجديدُ الذي يُحدِّثنا بأنَّ الإيمانَ بالشفاءِ قد يُغني عن دواءٍ، وأنَّ الأملَ قد يكونُ بذاتهِ عقاراً. فمنذُ فجرِ الحضارةِ والإنسانُ يُلاحظُ أنَّ الجسدَ يُصغي لِما يُهمسُ بهِ العقلُ، حتى لو كانَ الهمسُ وَهْماً. فهل يُعقلُ أنْ يَشفِي الوهمُ كما يَشفِي الدواءُ؟ العلمُ الحديثُ يُجيبُ بأنَّ الفِكرَةَ ليستْ ضرباً مِن الخيالِ، بل حقيقةً تُقرَعُ أبوابَ العقلِ والجسدِ معاً.


بينَ فَخِّ الفشلِ وعرشِ النجاحِ: أينَ يقفُ الدواءُ الوهميُّ؟

لطالما نُظرَ إلى “تأثيرِ الدواءِ الوهميِّ” في الماضي كشاهدِ إدانةٍ للعلمِ، وكأنَّه خديعةٌ تُفضَحُ بها الأدويةُ الزائفةُ. ففي مختبراتِ التجاربِ، يُوزَّعُ الدواءُ الحقيقيُّ على فريقٍ، والوهميُّ على فريقٍ آخرَ، ولا يدري المريضُ أينَ تختبئ الحقيقةُ. فإذا تساوتْ نتائجُ الفريقينِ، يُرمى الدواءُ الجديدُ في سلةِ النسيانِ. لكنَّ الحكمةَ الحديثةَ تُعلنُ ثورةً على هذا الفهمِ: إنَّ استجابةَ الجسدِ للوهمِ ليستْ فشلاً للعلمِ، بل نصراً لإرادةِ الإنسانِ! فها هو الجسدُ يَصنعُ دواءَه مِن رحمِ إيمانِه، وكأنَّ العقلَ يقولُ للعليلِ: “لا تيأسْ، ففي صَدرِكَ صيدليَّةٌ لم تُفتَحْ بعدُ”.


سِحرُ الطقوسِ: حينَ يُصبحُ الوهمُ حقيقةً

لا يكفي أنْ تُخبرَ النفسَ بأنَّها ستُشفى، بل علينا أنْ نُزيِّنَ لها طريقَ الشفاءِ بِطقوسٍ تُشبهُ السحرَ. ألمْ تُلاحظْ أنَّ زيارتَك للطبيبِ في عيادتِه المهيبةِ، وملابسُه البيضاءُ، وأدواتُه اللامعةُ، تُشعرُك بأنَّ يدَ الشفاءِ قد اقتربتْ؟ أليسَ في ابتلاعِك للكبسولةِ الغامضةِ — حتى لو كانتْ مِن السكرِ — لذةٌ تُهدئُ ثورةَ الألمِ؟ إنَّها لعبةٌ نفسيَّةٌ عجيبةٌ، يُحرِّكُها دماغُك كعازفِ البيانو، فيعزفُ على أوتارِ النواقلِ العصبيَّةِ — كالإندورفينِ والدوبامينِ — سيمفونيةَ الراحةِ. وكما قالَ الفلاسفةُ: «إنَّ الإيمانَ بالشيءِ يُعطيهِ قوةَ الشيءِ».


هِبةُ الشفاءِ الذاتيِّ: أتُريدُ أنْ تَصنعَ دواءَك؟

وما أدراكَ أنَّكَ قادرٌ على ذلكَ! ها هنا تَروحُ الحكمةُ بينَ طيّاتِ تجربةٍ علميَّةٍ: حينَ أعطى الباحثونَ مرضى الصداعِ النصفيِّ حبوباً وهميَّةً مكتوباً عليها “دواءٌ وهميٌّ”، وجدوا أنَّ الألمَ قد خَفَّتْ حدَّتُه بنصفِ ما يفعلهُ الدواءُ الحقيقيُّ! فكيفَ ذلك؟ لأنَّ مجرَّدَ الفعلِ — فعلِ تناولِ الدواءِ — يُشعلُ في النفسِ شمعةَ الأملِ. فما بالُك لو حوَّلتَ حياتَكَ إلى صيدليَّةٍ؟ باليوجا تُنقِّي الروحَ، وبالغذاءِ تُقوِّي الجسدَ، وبالتأملِ تُعيدُ للعقلِ توازنَه. كلُّها طقوسٌ تُعيدُكَ إلى ذاتِك، كأنَّكَ تُعالجُ نفسَكَ بِوصفةٍ مِن كتابِ الكونِ.


في أعماقِ الدماغِ: حيثُ يُولدُ الوهمُ نوراً

وفي دراسةٍ حديثةٍ — نُشرتْ في دوريةِ PLOS Biology — كشفتْ أسرارَ الدماغِ تحتَ تأثيرِ الدواءِ الوهميِّ. فحينَ تَلقَّى مرضى الآلامِ المزمنةِ حبوباً وهميَّةً، اشتعلَتْ منطقةُ “التلفيفِ الجبهيِّ الأوسطِ” في أدمغتِهم كشمعةٍ في ليلٍ، وكأنَّ هذه المنطقةَ — حارسةَ المزاجِ والوعيِ — تُرسلُ إشاراتِ سلامٍ إلى الجسدِ. فهل يُعقلُ أنْ يكونَ الشفاءُ مختبئاً في زاويةٍ مِن زوايا عقولِنا، ننتظرُ مَن يكتشفُه؟


خلاصةُ القولِ:
إنَّ تأثيرَ الدواءِ الوهميِّ — كما تُؤكِّدُ “هارفارد هيلث” — هو شهادةٌ على أنَّ الإنسانَ ليسَ آلةً تُصلحُها الأدويةُ، بل كونٌ صغيرٌ تُحييهِ الإرادةُ. فما أروعَ أنْ نكونَ أطباءَ أنفسِنا، حينَ نُدركُ أنَّ الشفاءَ يبدأُ بإيمانٍ، وينتهي بِطمأنينةٍ. وكما قالَ الحكيمُ: «إنَّ أعظمَ دواءٍ هو ذلكَ الذي تَصنعُه أنتَ في صمتِ قلبِك».


المصدر: تقرير هارفارد هيلث الطبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى