
بابلو نيرودا: الشاعر الذي حوَّلَ الحبَّ والوطنَ إلى قصيدةٍ خالدة
في محتوى هذا المقال [إظهار]
مَن مِنَّا لم يقرأ لـبابلو نيرودا كلمةً تهزُّ وجدانه، أو بيتًا يُعيد إليه إحساسه بالإنسانية؟ إنه الشاعر التشيلي الذي لم يكتفِ بكتابة الشعر، بل حوَّل حياتَه إلى ملحمةٍ من الحبِّ، والثورة، والغموض. حاز جائزة نوبل للآداب عام 1971، لكنَّ سيرته بقيت أكثر إثارةً من أيِّ نصٍّ أدبي: عاشقٌ غيور، ثائرٌ شيوعي، دبلوماسيٌّ جاب العالم، ووفاةٌ ما زال لغزُها يُحير العلماء.
في هذا المقال، سنغوصُ معًا في عوالم نيرودا، لا كشاعرٍ فحسب، بل كإنسانٍ حوَّلَ أفراحَه وأتراحَه إلى ترانيمَ تردِّدها الأجيال. سنكشفُ عن أصل اسمه المستعار، ونرصدُ محطات حياته من ميلاده إلى وفاته المثيرة، ونستعرضُ روائعَ قصائده التي جمعت بين الحميميةِ والجماعية، بين نداءات القلبِ وصخبِ الساحات العامة.
الفصل الأول: الاسم المستعار… قناعٌ من ضوء وظل
لماذا اختار نفتالي رييس أن يصبح “بابلو نيرودا”؟
لم يكن “بابلو نيرودا” مجرد اسمٍ أدبيٍّ عابر، بل كان بوابةً عبَرَ منها الشابُّ نفتالي رييس إلى عالمٍ أرحبَ من التعبير والحرية. وُلد عام 1904 في تشيلي، وكان والده موظف سكك حديدية صارمًا، رفض فكرة أن يصبح ابنُه شاعرًا، فاضطر نفتالي إلى اختراع اسمٍ يحميه من سخط العائلة ويسكبُ فيه أحلامَه.
اختار اسم “نيرودا” تيمُّنًا بالشاعر التشيكي يان نيرودا، الذي قرأ له ذات مرةٍ في مجلةٍ قديمة، فأعجب بتمردِّه على التقاليد وبساطةِ لغته. أما “بابلو”، فإضافةٌ إسبانيةٌ شائعةٌ تذكِّرُ بفناني القرن العشرين، كـبابلو بيكاسو، ليكون الاسمُ الجديدُ جسرًا بين هويتَين: التشيلي المتواضع، والعالمي الطموح.
جدول: الاسم الحقيقي مقابل الاسم الأدبي
الاسم الحقيقي | الاسم الأدبي | مصدر الإلهام |
---|---|---|
نفتالي رييس باسولاتو | بابلو نيرودا | يان نيرودا (شاعر تشيكي) |
هكذا، أصبح الاسمُ درعًا يحمي كاتبَه من انتقادات المجتمع، وقناعًا يمنحُه الجرأةَ ليكتبَ عن الحبِّ المُحرَّم، والفقرِ المُدقِع، والثورةِ التي كانت تُختمرُ في أعماق أميركا اللاتينية.
الفصل الثاني: السيرة الذاتية… محطاتٌ كُتبت بأحرف من نار
من طفلٍ حالم إلى صوتِ الملايين
- 12 يوليو 1904: وُلد في بلدة بارال التشيلية، لأسرةٍ فقيرةٍ عانت من غياب الأم المبكر.
- 1923: نشر أول دواوينه “أشعار الغسق” بعمر 19 عامًا، وفيه بدأت ملامحُه كشاعرٍ وجودي يبحث عن معنى الحياة.
- 1927-1935: عمل قنصلًا في بورما، سيلان، وإندونيسيا، حيث عانى من الوحدة وكتب بعضَ أعمق نصوصه، مثل “إقامة على الأرض”.
- 1936: شهد الحرب الأهلية الإسبانية، فتحوَّل إلى شاعرٍ سياسيٍ يدافع عن الجمهوريين ضد الفاشية.
- 1945: انتخب عضوًا في مجلس الشيوخ التشيلي، ثم اضطُهد عام 1948 بسبب معارضته للحكومة، فاختبأ عامًا كاملًا وكتب جزءًا من “أناشيد عالمية”.
- 1971: نال جائزة نوبل بعد ترشيحه 5 مرات، وقالت اللجنة: “لشعرٍ يمنحُ صوتًا لضمير القارة”.
- 23 سبتمبر 1973: مات في سانتياغو بعد 12 يومًا من انقلاب بينوشيه، وسط شكوكٍ بأن النظام الجديد دسَّ له السّم.
لماذا لا ننسى تاريخ وفاته؟
الموت نفسه كان فصلًا من فصول الغموض: أعلن الأطباء سببَ الوفاة سرطان البروستاتا، لكنَّ تشريحًا جديدًا عام 2017 كشف عن وجود بكتيريا المكورة العنقودية في جثته، مما أعاد فتح التحقيق في احتمال التسميم السياسي. هذه التفاصيل تجعل من عبارة “بابلو نيرودا يموت ببطء” أكثرَ من مجرد عنوانٍ لقصيدة، بل سؤالًا تاريخيًّا مفتوحًا.
الفصل الثالث: روائع الأدب… حين يمتزج الحميمي بالكوني
1. “مائة قصيدة حب”… رسائلُ إلى ماتيلدي تحت ضوء القمر
في عام 1959، نشر نيرودا أحدَ أشهر دواوينه “مائة قصيدة حب”، الذي كتَبَه سرًّا خلال علاقته بـماتيلدي أوروتيا، بينما كان متزوجًا من دليا ديل كاريل. القصائدُ هنا ليست مجردَ اعترافات عاطفية، بل هي حوارٌ مع الطبيعة، حيث تُصبح محبوبتُه جبلًا، أو نجمًا، أو موجةً تتهادى على شاطئ تشيلي:
“أحبك بين الظلام والضوء، كالسنبلة التي تحمل الظلَّ والحنطة، وتعود فتحمل الليلَ الذهبي.”
هذا الديوان، الذي حوَّل “بابلو نيرودا حبيبته” إلى رمزٍ أسطوري، يُظهر كيف استطاع الشاعرُ أن يرفع الحبَّ الفردي إلى مرتبةِ الأسطورة الجماعية.
2. “أشهد أني عشت”… مذكراتُ الثائر الذي لم يندم
قبل وفاته بعامين، أنهى نيرودا مذكراتِه التي حملت عنوانًا صادمًا: “أشهد أني عشت”. هنا، لا يروي تفاصيلَ حياته فحسب، بل يشتبكُ مع قضايا القرن العشرين الكبرى: الفاشية، الاستعمار، والفقر. يقول في فصلٍ عن شبابه:
“الفقرُ ليس حجرًا، بل هو غيمةٌ سوداء تبتلعُ أحلامَ الأطفال.”
جدول: أعمال نيرودا الخالدة
العمل الأدبي | السنة | النوع | القضية المحورية |
---|---|---|---|
عشرون قصيدة حب | 1924 | شعر غنائي | الحب واليأس |
إقامة على الأرض | 1935 | شعر وجودي | العزلة والوجود |
أناشيد عالمية | 1950 | شعر سياسي | العدالة الاجتماعية |
مائة قصيدة حب | 1959 | شعر غنائي | الحب والطبيعة |
أشهد أني عشت | 1974 | سيرة ذاتية | السيرة والثورة |
الفصل الرابع: الحبُّ… تلك “الجريمة الجميلة”
ماتيلدي: المرأة التي حوَّلتْهُ من السياسي إلى العاشق
في عام 1955، التقى نيرودا بـماتيلدي أوروتيا، وهي مغنيةٌ تشيلية تصغره بعشرين عامًا، فاندلعت بينهما قصة حبٍّ اضطرا لإخفائها سنواتٍ بسبب زواجه من دليا. هذه العلاقة أعادت للشاعر روحَه الشعرية، التي كادت تُختطف بسبب انشغاله بالسياسة. في “مائة قصيدة حب”، يصفها بأنها:
“امرأةٌ من نورٍ وطين، تُمسك بيدَي الليلِ والنهار، وتصنعُ من قلبي وطنًا.”
لكنَّ الحبَّ عند نيرودا لم يكن فرديًّا أبدًا؛ فحبيبته جزءٌ من الأرض التي ينتمي إليها، ولهذا قال:
“أحبك كأنك ولدتِ في بلادي، كأنك أمِّي التي لم تُولد بعد.”
الفصل الخامس: الموتُ الغامض… هل اغتالته الديكتاتورية؟
السياق السياسي: أسبوعان هزّا تشيلي
في 11 سبتمبر 1973، قاد أوغستو بينوشيه انقلابًا دمويًّا أطاح بالرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، صديق نيرودا. بعدها باثني عشر يومًا، أعلن عن وفاة الشاعر. الرواية الرسمية قالت: “سرطان البروستاتا”، لكنَّ شهودًا ذكروا أن طبيبًا دخل غرفته قبل وفاته وحقنه بمادةٍ مجهولة.
التحقيقات الحديثة: السمُّ أم البكتيريا؟
عام 2017، كشف فريقٌ دولي عن وجود بكتيريا خطيرة في عظامه، مما يشير إلى احتمال تسميمه. لكنَّ الجدلَ ما زال قائمًا: هل مات بسبب مؤامرةٍ سياسية، أم أن الإهمال الطبي كان السبب؟ بغضِّ النظر عن الجواب، تبقى وفاتهُ جزءًا من تراجيديا تشيلي القرن العشرين.
الفصل السادس: الإرث… صوتٌ لا ينتهي
تأثيره على الأدب العالمي
لم يقتصر تأثير نيرودا على أميركا اللاتينية؛ فقد أصبح رمزًا للشعراء الملتزمين بقضايا الإنسان، من محمود درويش الذي ترجم أعماله، إلى غابرييل غارسيا ماركيث الذي قال عنه:
“نيرودا علَّمنا أن الشعرَ ليس كلماتٍ تُقال، بل حياةٌ تُعاش.”
الأسئلة الشائعة (FAQ)
- من هو شاعر تشيلي الكبير؟
إنه بابلو نيرودا، أحد أعظم شعراء القرن العشرين، جمع بين الحبِّ والثورة في قصائده. - ما أجمل ما كتب؟
قصيدته “أحبك دون أن أعرف كيف” من “مائة قصيدة حب” تُعتبر من أشهر نصوص الحب العالمية. - من هي حبيبته الأكثر شهرةً؟
ماتيلدي أوروتيا، التي كرَّس لها ديوانه الأيقوني.
الخاتمة: الشاعر الذي صار وطنًا
بابلو نيرودا لم يكن شاعرًا عاديًّا؛ لقد حوَّلَ كلَّ شيءٍ لمسته يداه إلى شعر: الحبُّ صار قصيدة، والوطنُ صار قصيدة، وحتى الموتُ صار سؤالًا شعريًّا مفتوحًا. اليوم، يمكننا أن نقرأ سيرته كدرسٍ في كيف يُخلِّد الإنسانُ نفسَه: ليس بالهرب من العالم، بل بالانغماس فيه حتى النخاع.
“أشهد أني عشت… وأشهد أن قصائدي لم تكن سوى دمي الذي سالَ على الأرض.”
ملاحظة أخيرة:
إذا كنتَ من عشاق نيرودا، شاركنا في التعليقات: أيُّ قصائده تُلامسُ وجدانك؟ وإن كنتَ تقرأه لأول مرة، فابدأ بـ“عشرون قصيدة حب”، واسمح لكلماته أن تأخذك في رحلةٍ لن تنساها.